كنت طالباً يافعاً في جامعة سيدني في السنة الأولى من دراستي الهندسية, وفي يوم التعارف الأول تكلم أستاذنا عن التحديات في الحياة, وأنه علينا التعرف على شخص لم نتصور تواجده معنا .أستدرت أنظر من حولي,حينها شعرت بلمسة يد لطيفة على كتفي,التفت للخلف وفجأة التقت عيني بعينيها, سيدة في العقد السادس من عمرها معشقة بتجاعيد وقهر السنين,ولكن محياها يحمل ابتسامة أضاءت وجودها بالكامل بين الجميع.قالت لي , مرحباً أيها الوسيم,أنا كريستين, خمس وستون عاماًهل تسمح لي بأن أضمك, ابتسمت وبحماس رديت لها ابتسامة وقلت لها بالطبع سيدتي, وكانت ضمة قوية أغلقت أنفاسي.قلت لها : لما أنت هنا في الجامعة في هذا السن اليافع البريء, ردت علي مازحة : أنا هنا لألتقي بشريك عمري الغني,لنتزوج ونرزق بأطفال ومن ثم السفر والتمتع بالحياة..لا قلت لها جدياً أعلميني لماذا..وكنت حينها مستغرباً من الدافع الذي حملها على المضي في هذا التحدي الكبير في سنها.جاوبتني بابتسامة شبابية: دائماً كنت أحلم بالتعليم الجامعي, وأنا الأن سعيدة لحصولي على مقعد دراسي هنا معكم.بعد انتهاء اليوم الدراسي مشينا معاً إلى مبنى اتحاد الطلبة, وتقاسمنا مشروب الشوكولا, وأصبحنا أصدقاء من تلك اللحظة.كل يوم ولمدة الشهور الثلاثة المتعاقبة كنا نتعمق في صداقتنا أكثر فأكثر, وكنت دائماً مغرماً بالإستماع إلى آلة الزمن هذه كما كنت أسميها وهي تضحك دائماً بلهفة وحكمة إنما تدل على خبرة وتعمق في أمور الحياة.وعلى مدار السنة , أصبحت كريستين رمز الحرم الجامعي وكونت صداقات بسهولة فائقة أينما كانت تتواجد, كانت تعشق الموضة والجميع يشهد بأناقتها المعهودة والجذابة.مع نهاية السنة الأولى قمنا بدعوة كريستين للتحدث نيابة عن الجميع في وليمة خاصة بمناسبة حصولنا على بطولة الجامعات لكرة القدم.لم أنسى إلى الأن ما تعلمته منها في ذلك اليوم المشهود .رأيتها تصعد إلى المنصة بخطوات ثابتة وواثقة..وببعض الحرج مالت إلى الميكروفون وقالت ببساطة أحسدها عليها:أسفة أنا متوترة بعض الشيء وبدأت حديثها :" نحن لا نتوقف عن اللعب لأننا تقدمنا في السن, لكننا نشيخ بسرعة كلما توقفنا عن اللعب "أردت أن أطرح أمامكم وأحدثكم بأربعة أسرار تحفظ شبابكم, وتمنحكم السعادة والنجاح وهي :
1 - عليكم بالضحك والشعور بالمرح وروح الفكاهة كل يوم
2 - يجب أن نعيش ونحلم بواقع جميل وعملي, والحفاظ عليه وعندما نخسر أحلامنا..تموت أرواحنا..هناك أشخاص كثيرون يتجولون من حولنا بروح ميتة وهم لايعرفون ذلك
3 - هناك فارق كبير بين التقدم في العمر والشعور بالكبر.إذا كنت في التاسعة عشر من عمرك , وتلازم فراشك لمدة عام كامل , ولا تقوم بأي عمل انتاجي , فإنك ستصبح في العشرون من عمرك.وعندما أكون أنا في السادسة والخمسون من عمري وألازم فراشي لمدة عام كامل ولا أنتج أبداً , فإنني سأصبح في السادسة والستون من عمري.فكل شخص يمكن أن ينمو في السن , وهذا لا يحتاج إلى أية موهبة أو مقدرة.والفكرة هي النمو دوماً عن طريق إيجاد فرص للتغيير
4 - لا تشعروا بالندم , لأننا نحن كبار السن عادةً لا نأسف على ما قمنا عليه, وإنما نأسف للأشياء التي لم ننجزها أو نقوم بها , والأشخاص الذين يهابون الموت هم الأشخاص الذين يعيشون متأسفين على ما ضاع منهم
وأختتمت كريستين كلمتها بشجاعة فذه مخاطبة , بأنه علينا الدراسة والتعلم أكثر في حياتنا اليومية وتحسين أفعالنا.في نهاية السنوات الدراسية أنهت كريستين شهادتها الجامعية بتفوق, وبعد شهر من التخرج توفيت بسلام أثناء نومها.أكثر من ألفي طالب وطالبة معي حضروا جنازتها تكريماً لتلك السيدة الرائعة التي مازلت أشعر بضمتها القوية في صدري.. علمتني بأنه لم يفت الأوان لكي أتعلم أكثر , وان التقدم بالسن هو لزاماً علينا , وأما التقدم والنجاح فمصيره يحدده أختيارنا..( أنهيت دراسة هندسة الطيران , وحصلت على الماجستير في علوم الفضاء, وتدربت على الطيران وأصبحت قبطان أول, وتعلمت خمس لغات في علوم الإنسانية وكل ذلك بفضل تلك القديسة كريستين..)ألف سلامٍ عليها
طارق
بتاريخ24/10/2009
Friday, November 13, 2009
صاحبتي
قالت لي صاحبتي
وهي تشير إلى
جسمها المخدور بالألمِ
انظر أيها الباشق
يا أبهى صعوداً في رياحي
لم يبق من مواطني الحلوة
إلا بضع ريشٍ دميت
لستُ إلا جرحٌ راجف
وأنوثةٌ مقهورة
أين هي رغبتي
وبهجتي وكمالي
كنتُ أحبلُ عشر مراتٍ
وأرضي تورقُ كل يومٍ
أفرحُ مثل كل العاشقاتِ
وأقرأُ لك كل مرحي
في أردأ الزمنِ
كتبتُ على الريح والأمطار
وتحت سقف العالم
أفديك ولو في ومضة الضنكِ
أيها الطلقُ الكبير
يا نجيّ النذر في الروح
كنت في ضميري عفافاً
معلقاً أنشرهُ شوقاً
وأطويه.. أحفظه
غيثاً في شراييني
يا أيها القديس.. هلا تناديني
قلتُ لها يا صاحبتي
مازلتُ أرتجيكِ في دمي
يا وطناً بين نفسي ونفسي
يسكنني حمداً
ابتسامتكَ الجميلة
طلقُ المحيا
التي يعشقها
قمرٌ من صنع الله
وهذا النبضُ الباسطُ
سطوته إلى شرايين فؤادي
شكراً لله ما زالت أحلامي
تستترُ على قلبٍ من اللازوردِ
أسكنه جنة مفصلةٌ لفضاءاتي
يمنحني طقوساً
تأخذُ شكلَ الفرحِ
تزخرفها صلواتكِ
كأنها نرجسٌ
من عمل ملاك
يعابث ضميري كلما
كفّ عن السعي إليكِ
أو تدرينَ أنني
ما زلتُ في اتقادي
أترنح ظلاً بهيئتكِ
أتعلَمُ كم أني رجل
عُمِدَ بحب أنوثتكِ
أستمعُ لوجيبِ قلبٍ مقدس
أعتمر في لجة محيطه
ناسكاً في زقاق التأملِ
يا صاحبتي
إني أراكِ في غفوتي
درنات الشهدِ الناضج
ينسج حلاوة محمومةً
تستوطنُ وِهادَ انبهاري
طريقي إليكِ طافحٌ ياقوته
منذ أكثرَ من ألف فجرأسير إليكِ
أُعانقُ كفيكِ
واضمكِ كي أزُمّ فيضكِ
وأنتشي من كنف الأشتهاءِ
فرحاً أصعدُ العلياء
وأشهدُ أن روحكِ توبتي
وأن كوثركِ الأبيض
فيضاً متنامياً
بين أنامل يدي
أنت صاحبتي
وأبهى نزاعات الحبِ
أنتِ براعم النقاءِلايموتُ بصيصها
أنتِ طقوسي
ووصايا العشرموشومة بالعبق
وطهر السنين
أنت الفرحُ على يميني
وأُولى البشائرِ
وجذوة إيمانكِ
تشرق عليها أنوار
لا تنطفىء في يوم الغروبِ
أو الأنحناءِ
أريدكِ أن تبقي فوق
عرشي سراج الشفق
وملكة تلازمُ خطوتي
وترادفُ وصالي
نشيداً أزلياً
صافياً نقياً
يرفدُ شوقي هنياً
بكل لغاتِ العشقِ
يا صاحبتي
وجهكِ مرسومٌ في وجهي
أراه ممهوراً بحروفٍ من بهاءِ
ما زال يحياجنبي وقربي
نخلة ستطولُ
أعماراً تزهى
في زغاريد قلبي
يا صاحبتي..يا أيتها الطلوع
سأهمس لك
وأنا أضمك بين الضلوع
وبذاك الوعدِ المسموع
حالفاً بيسوع
أن حبكِ المشروع
على أعمدة من نور
لن يحتضر
ولكِ وهج الرجوع
يجيء ويغدو في نغم التحدي
يرسم طقوس الولادةِ
وأنوثة تتوهج
على أراجيح النهارِ
تقهر الصدوع
فوق أعلى الربوع
عمادها السطوع
فلا تسقطي الدموع
يا صاحبتي
لاتسقطي الدموع
طارق
20/10/2009
Subscribe to:
Comments (Atom)